فصل: تفسير الآية رقم (181):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التسهيل لعلوم التنزيل



.تفسير الآيات (174- 175):

{فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)}
{فانقلبوا} أي رجعوا بنعمة اللامة وفضل الأجر {واتبعوا رضوان الله} بخروجهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {ذلكم الشيطان} المراد هنا أبو سفيان، أو نعيم الذي أرسله أبو سفيان أو إبليس، وذلكم مبتدأ، والشيطان خبره وما بعده مستأنف، أو الشيطان نعت وما بعده خبر {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} أي يخوفكم أيها المؤمنون أولياءه وهم الكفار، فالمفعول الأول محذوف ويدل عليه قوله: {فَلاَ تَخَافُوهُمْ} وقرأ بان مسعود وابن عباس {يخوفكم أولياءه}، وقيل المعنى يخوف المنافقين وهم أولياؤه من كفار قريش، فالمفعول الثاني على هذا محذوف.

.تفسير الآيات (176- 178):

{وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178)}
{وَلاَ يَحْزُنكَ} تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وقرئ بفتح الياء وضم الزاي حيث وقع مضارعاً من حزن الثاني، وهو أشهر في اللغة من أحزن {الذين يسارعون فِي الكفر} أي يبادرون إلى أقواله وأفعاله وهم المنافقون والكفار {إِنَّ الذين اشتروا} الآية: هم المذكورون قبل أو على العموم في جميع الكفار {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ} أي نمهلهم أن مفعول يحسبن، وما اسم أن فحقها أن تكتب منفصلة وخير خبر: {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ} ما هنا كافة والمعنى ردّ عليهم أي أن الإملاء لهم ليس خيراً لهم إنما هو استدراج ليكتسبوا الإثم.

.تفسير الآية رقم (179):

{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)}
{مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين} الآية: خطاب للمؤمنين، والمعنى ما كان الله ليدع المؤمنين مختلطين بالمنافقين، ولكنه ميز هؤلاء من هؤلاء بما ظهر في غزوة أحد من الأقوال والأفعال، التي تدل على الإيمان أو على النفاق، {وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب} أي ما كان الله ليطلعكم على ما في القلوب من الإيمان والنفاق، أو ما كان الله ليطلعكم على أنكم تغلبون أو تغلبون {وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِي} أي يختار من رسله من يشاء فيطلعهم على ما شاء من غيبه.

.تفسير الآية رقم (180):

{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)}
{الذين يَبْخَلُونَ} يمنعون الزكاة وغيرها {هُوَ خَيْراً} هو فضل وخيراً مفعول ثان، والأول محذوف تقديره: لا يحسبن البخل خيراً لهم {سَيُطَوَّقُونَ} أي يلزمون إثم ما بخلوا به، وقيل: يجعل ما بخلوا به حية يطوّقها في عنقه يوم القيامة.

.تفسير الآية رقم (181):

{لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181)}
{لَّقَدْ سَمِعَ الله} الآية: لما نزلت: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً} [البقرة: 245] قال بعض اليهود وهو فنحاص، أو حيي بن أخطب أو غيرهما: إنما يستقرض الفقير من الغني، فالله فقير ونحن أغنياء، فنزلت هذه الآية، وكان ذلك القول اعتراضاً على القرآن أوجبه قلة فهمهم، أو تحريفهم للمعاني، فإن كانوا قالوه باعتقاده فهو كفر يضاف إلى كفرهم، وإن قالوه بغير اعتقاد: فهو استخفاف، وعناد {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ} أي تكتبه الملائكة في الصحف {وَقَتْلَهُمُ الأنبياء} أي قتل آبائهم للأنبياء، وأسند إليهم لأنهم راضون به، ومتبعون لمن فعله من آبائهم.

.تفسير الآيات (183- 184):

{الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (183) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184)}
{الذين قالوا} صفة للذين، وليس صفة للعبيد {حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ} كانوا إذا أرادوا أن يعرفوا قبول الله لصدقه أو غيرها جعلوه في مكان، فتنزل نار من السماء فتحرقه، وإن لم تنزل فليس بمقبول، فزعموا أن الله جعل لهم ذلك علامة على صدق الرسل {قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ} الآية: رد عليهم بأن الرسل قد جاءتهم بمعجزات توجب الإيمان بهم، وجاؤهم أيضاً بالقربان الذي تأكله النار، ومع ذلك كذبوهم وقتلوهم، فذلك يدل على ان كفرهم عناد، فإنهم كذبوا في قولهم: {إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا} {فَإِن كَذَّبُوكَ} الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بالتأسي بغيره.

.تفسير الآيات (185- 188):

{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188)}
{فَمَن زُحْزِحَ} أي نحي وأبعد {لَتُبْلَوُنَّ} الآية: خطاب للمسلمين، والبلاء في الأنفس بالموت والأمراض، وفي الأموال بالمصائب والإنفاق {وَلَتَسْمَعُنَّ} الآية: سببها قول اليهود: إن الله فقير، وسبهم للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} قال ابن عباس: هي لليهود؛ أخذ عليهم العهد في أمر محمد صلى الله عليه وسلم فكتموه، وهي عامة في كل من علمه الله علماً {الذين يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} الآية: قال ابن عباس نزلت في أهل الكتاب سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا إليه بذلك، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه، وقال سعيد الخدري: نزلت في المنافقين: كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، وإذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ} بالتاء وفتح الباء: خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وبالياء وضم الباء: أسند الفعل للذين يفرحون: أي لا يحسبون أنفسهم بمفازة من العذاب، ومن قرأ: تحسين بالتاء: فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والذين يفرحون مفعول به، وبمفازة المفعول الثاني، وكرر فلا تحسبنهم: للتأكيد، ومن قرأ لا يحسبن بالياء من أسفل، فإنه حذف المفعولين، لدلالة مفعولي لا تحسبنهم عليهما.

.تفسير الآية رقم (190):

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)}
{واختلاف اليل والنهار} ذكر في البقرة {قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ} أي يذكرون الله على كل حال؛ فكأن هذه الهيآت حصر لحال بني آدم، وقيل: إن ذلك في الصلاة: يصلون قياماً فإن لم يستطيعوا صلوا قعوداً، فإن لم يستطيعوا صلوا على جنوبهم {رَبَّنَآ} أي يقولون: ربنا ما خلقت هذا لغير فائدة بل خلقته وخلقت البشر، لينظروا فيه فيعرفونك.

.تفسير الآيات (193- 195):

{رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)}
{سَمِعْنَا مُنَادِياً} هو النبي صلى الله عليه وسلم {مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ} أي على ألسنة رسلك {مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى} من لبيان الجنس، وقيل زائدة لتقدّم النفي {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} النساء والرجال سواء في الأجور والخيرات {وَأُخْرِجُواْ مِن ديارهم} هم المهاجرون آذاهم المشركون بمكة حتى خرجوا منها {ثَوَاباً} منصوباً على المصدرية.

.تفسير الآيات (196- 198):

{لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)}
{لاَ يَغُرَّنَّكَ} الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي: لا تظنوا أن حال الكفار في الدنيا دائمة فتهتموا لذلك، وأنزل لا يغرنك منزلة لا يحزنك {متاع قَلِيلٌ} أي تقلبهم في الدنيا قليل؛ بالنظر إلى ما فاتهم في الآخرة {نُزُلاً} المنصوب على الحال من جنات أو على المصدرية {لِّلأَبْرَارِ} جمع بار وبر، ومعناه العاملون بالبر، وهي غاية التقوى والعمل الصالح، قال بعضهن: الأبرار؛ هم الذين لا يؤذون أحداً.

.تفسير الآيات (199- 200):

{وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)}
{وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب} الآية؛ قيل: نزلت في النجاشي ملك الحبشة، فإنه كان نصرانياً فأسلم، وقيل: في عبد الله بن سلام وغيره ممن أسلم من اليهود {لاَ يَشْتَرُونَ} مدح لهم، وفيه تعريض لذم غيرهم ممن اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً وصابروا أي صابروا عدوكم في القتال {وَرَابِطُواْ} أقيموا في الثغور مرابطين خيلكم مستعدين للجهاد، وقيل: هو مرابطة العبد فيما بينه وبين الله، أي معاهدته على فعل الطاعة وترك المعصية والأول أظهر، قال صلى الله عليه وسلم: «رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه» وأما قوله في انتظار الصلاة فذلكم الرباط فهو تشبيه بالرباط في سبيل الله لعظم أجره، والمرابط عند الفقهاء هو الذي يسكن الثغور فيرابط فيها وهي غير موطنه، فأما سكانها دائماً بأهلهم ومعايشهم فليسوا مرابطين، ولكنهم حماة، حكاه ابن عطية.

.سورة النساء:

.تفسير الآية رقم (1):

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)}
{ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ} خطاب على العموم وقد تكلمنا على التقوى في أوّل البقرة {مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} هو آدم عليه السلام {زَوْجَهَا} هي حواء خلقت من ضلع آدم {وَبَثَّ} نشر {تَسَآءَلُونَ بِهِ} أي يقول بعضكم لبعض: أسألك بالله أن تفعل كذا و{والأرحام} بالنصب عطفاً على اسم الله أي: اتقوا الأرحام فلا تقطعوها، أو على موضع الجار والمجرور. وهو به، لأنّ موضعه نصب وقرئ بالخفض عطف على الضمير في به، وهو ضعيف عند البصريين، لأن الضمير المخفوض لا يعطف عليه إلاّ بإعادة الخافض {إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} إذا تحقق العبد بهذه الآية وأمثالها استفاد مقام المراقبة وهو مقام شريف أصله علم وحال، ثم يثمر حالين: أما العلم: فهو معرفة العبد؛ بأن الله مطلع عليه، ناظر إليه يرى جميع أعماله، ويسمع جميع أقواله، ويعلم كل ما يخطر على باله، وأما الحال: فهي ملازمة هذا العلم والحال: كانت ثمرتها عند أصحاب اليمين: الحياء من الله، وهو يوجب بالضرورة ترك المعاصي والجِدّ في الطاعات، وكانت ثمرتها عند المقرّبين: الشهادة التي توجب التعظيم والإجلال لذي الجلال، وإلى هاتين الثمرتين أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، فقوله أن تعبد الله كأنك تراه: إشارة إلى الثمرة الثانية، وهي المشاهدة الموجبة للتعظيم: كمن يشاهد ملكاً عظيماً، فإنه يعظمه إذ ذاك بالضرورة، وقوله فإن لم تكن تراه فإنه يراك: إشارة إلى الثمرة الأولى ومعناه إن لم تكن من أهل المشاهدة التي هي مقام المقربين، فاعلم أنه يراك، فكن من أهل الحياء الذي هو مقام أصحاب اليمين، فلما فسر الإحسان أوّل مرة بالمقام الأعلى؛ رأى أن كثيراً من الناس قد يعجزون عنه، فنزل عنه إلى المقام الآخر، واعلم أن المراقبة لا تستقيم حتى تتقدّم قبلها المشارطة والمرابطة، وتتأخر عنها المحاسبة والمعاقبة، فأما المشارطة: فهي اشتراط العبد على نفسه بالتزام الطاعة وترك المعاصي، وأما المرابطة؛ فهي معاهدة العبد لربه على ذلك، ثم بعد المشارطة والمرابطة أول الأمر تكون المراقبة إلى آخره، وبعد ذلك يحاسب العبد نفسه على ما اشترطه وعاهد عليه، فإن وجد نفسه قد أوفى بما عاهد عليه الله: حمد الله، وإن وجد نفسه قد حل عقد المشارطة، ونقض عهد المرابطة، عاقب النفس عقاباً بزجرها عن العودة إلى مثل ذلك، ثم عاد إلى المشارطة، والمرابطة وحافظ على المراقبة، ثم اختبر بالمحاسبة، فهكذا يكن حتى يلقى الله تعالى.

.تفسير الآية رقم (2):

{وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)}
{وَآتُواْ اليتامى أموالهم}
خطاب للأوصياء، وقيل: للعرب الذين لا يورثون الصغير مع الكبير أمروا أن يورثوهم، وعلى القول بأنّ الخطاب للأوصياء، فالمراد أن يؤتوا اليتامى من أموالهم ما يأكلون ويلبسون في حال صغرهم، فيكون اليتيم على هذا حقيقة، وقيل: المراد دفع أموالهم إليهم إذا بلغوا، فيكون اليتيم على هذا مجاز، لأن اليتيم قد كبر {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب} كان بعضهم يبدل الشاة السمينة من مال اليتيم بالمهزولة من ماله، والدرهم الطيب بالزائف، فنهوا عن ذلك. وقيل: المعنى لا تأكلوا أموالهم وهو الخبيث، وتدعوا ما لكم وهو الطيب {وَلاَ تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} المعنى: نهي أن يأكلوا أموال اليتامى مجموعة إلى أموالهم، وقيل: نهي عن خلط أموالهم بأموال اليتامى، ثم أباح ذلك بقوله وإن تخالطوهم فإخوانكم، وإنما تعدّى الفعل بإلى؛ لأنه تضمن معنى الجمع والضم وقيل: بمعنى مع {حُوباً} أي ذنباً.

.تفسير الآية رقم (3):

{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)}
{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا} الآية، ويبخسوهن في الصداق لمكان ولايتهم عليهم، فقيل لهم: أقسطوا في مهورهن، فمن خاف أن لا يقسط فليتزوّج بما طاب له من الأجنبيات اللاتي يوفِّيهن حقوقهن، وقال ابن عباس: إن العرب كانت تتحرج في أموال اليتامى ولا تتحرج في العدل بين النساء، فنزلت الآية في ذلك أي كما تخافون أن لا تقسطوا في اليتامى: كذلك خافوا النساء، وقيل: إن الرجل منهم كان يتزوج العشرة أو أكثر، فإذا ضاق ماله أخذ مال اليتيم، فقيل لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فاقتصروا في النساء على ما طاب: أي ما حل، وإنما قال ما، ولم يقل من: لأنه أراد الجنس، وقال الزمخشري: لأن الإناث من العقلاء يجري مجرى غير العقلاء، ومنه قوله: {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} {مثنى وثلاث ورباع} لا ينصرف للعدل والوصف، وهي حال من ما طاب، وقال ابن عطية: بدل، وهي عدوله عن أعداد مكررة، ومعنى التكرار فيها أن الخطاب لجماعة، فيجوز لكل واحد منهم أن ينكح ما أراد من تلك الأعداد، فتكررت الأعداد بتكرار الناس، والمعنى انكحوا اثنتين أو ثلاث أو أربعاً في ذلك منع لما كان في الجاهلية من تزوج ما زاد على الأربع، وقال قوم لا يعبأ بقولهم: إنه يجوز الجمع بين تسع لأن مثنى وثلاث ورباع: يجمع فيه تسعة، وهذا خطأ، لأن المراد التخيير بين تلك الأ'داد لا الجمع، ولو أراد الجمع لقال تسع ولم يعدل عن ذلك إلى ما هو أطول منه وأقل بياناً، وأيضاً قد انعقد الإجماع على تحريم ما زاد على الرابعة {فَوَاحِدَةً} أي إن خفتم أن لا تعدلوا بين الاثنين أو الثلاث أو الأربع: فاقتصروا على واحدة، أو على ملكت أيمانكم من قليل أو كثير. رغبة في العدول. وانتصاب واحدةً بفعل مضمر تقديره: فانكحوا واحدة {ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ} الإشارة إلى الاقتصار على الواحدة، والمعنى: أن ذلك أقرب إلى أن لا تعولوا ومعنى تعولوا: تميلوا، وقيل يكثر عيالكم.